محمد الريشهري
60
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
حدث فأصله الأشعث ، ولولا محاقّته ( 1 ) أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في معنى الحكومة في هذه المرّة لم تكن حرب النهروان ، ولكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ينهض بهم إلى معاوية ، ويملك الشام ؛ فإنّه صلوات الله عليه حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة ( 2 ) . وفي المثل النبويّ صلوات الله على قائله : " الحرب خدعة " ، وذاك أنّهم قالوا له : تُبْ إلى الله ممّا فعلت كما تُبنا ننهضْ معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمعصومون ، وهي قوله : " أستغفر الله من كلّ ذنب " ، فرضوا بها ، وعدّوها إجابة لهم إلى سؤلهم ، وصفَتْ له ( عليه السلام ) نيّاتهم ، واستخلص بها ضمائرهم ، من غير أن تتضمّن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب . فلم يتركه الأشعث ، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال ، وهاتكاً ستر التورية والكناية ، ومخرجاً لها من ظلمة الإجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما يُفسد التدبير ، ويُوغِر الصدور ، ويُعيد الفتنة ، ولم يستفسره ( عليه السلام ) عنها إلاّ بحضور من لا يمكنه أن يجعلها معه هُدْنة على دَخَن ( 3 ) ، ولا ترقيقاً عن صَبوح ( 4 ) ، وألجأه بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما في نفسه ، ولا يترك الكلمة على احتمالها ،
--> ( 1 ) احتَقّ القوم : قال كلّ واحد منهم : الحقّ في يدي ( لسان العرب : 10 / 49 ) والمراد هنا : المحاجّة والمجادلة . ( 2 ) المواربة : المداهاة والمخاتَلة ، والتوريب : أن تُوَرِّي عن الشيء بالمُعارَضات والمباحات ( لسان العرب : 1 / 796 ) . ( 3 ) الهُدْنة : اللِّين والسُّكون ، ومنه قيل للمصالحة : المهادنة ؛ لأنّها ملاينة أحد الفريقين . والدَّخَن : تَغَيُّر الطعام من الدُّخان ( مجمع الأمثال : 3 / 460 / 4464 ) . ( 4 ) أصل المثل : " عن صَبُوح تُرَقَّق " الصبوح : ما يُشرب صَباحاً ، وترقيق الكلام : تزيينه وتحسينه . يُضرَب لمن كَنَى عن شيء وهو يريد غيره ( مجمع الأمثال : 2 / 348 / 2451 ) .